علي بن محمد البغدادي الماوردي
106
النكت والعيون تفسير الماوردى
قوله عزّ وجل : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فيه وجهان : أحدهما : يعني بما قدر لها من قليل أو كثير . الثاني : يعني الصغير من الأودية سال بقدر صغره ، والكبير منها سال بقدر كبره . وهذا مثل ضربه اللّه تعالى للقرآن وما يدخل منه في القلوب ، فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه ، وشبه القلوب بالأودية يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية من الماء بحسب سعتها وضيقها . قال ابن عباس : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أي قرآنا فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : الأودية قلوب العباد . فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً الرابي : المرتفع . وهو مثل ضربه اللّه تعالى للحق والباطل ، فالحق ممثل بالماء الذي يبقى في الأرض فينتفع به ، والباطل ممثل بالزبد الذي يذهب جفاء لا ينتفع به . ثم ضرب مثلا ثانيا بالنار فقال وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يعني الذهب والفضة . أَوْ مَتاعٍ يعني الصفر والنحاس . زَبَدٌ مِثْلُهُ . . يعني أنه إذا سبك بالنار كان له خبث كالزبد الذي على الماء يذهب فلا ينتفع به كالباطل ، ويبقى صفوة فينتفع به كالحق « 194 » . وقوله تعالى : . . فَيَذْهَبُ جُفاءً فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يعني منشقا « 195 » ، قاله ابن جرير .
--> ( 194 ) وقد أسهب ابن القيم في شرح أمثال القرآن ومنها هذا المثل في كتاب أمثال القرآن له فراجعه . ( 195 ) والذي في الطبري ( 16 / 415 ) قال « وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله » -